أول ما بدأنا به لدى وصولنا إلى قرية أيت أوقبلي بعمق الأطلس المغربي، بعد مسار طويل استمر أكثر من عشر ساعات من من العاصمة الرباط، هو شُرب كأس شاي بمقهى صغير، سألنا مرافقنا عن حالة ما لزواج القاصرات بهذه المنطقة، ليخبرنا أن من أعدت الشاي الذي نشربه، هي واحدة من ضحاياه..
استقبلتنا ببيتها مساءً، وقبلت التصوير معها بوجه مكشوف مُبدية أملها في أن تصل قصتها إلى أقصى مدى، وهي التي خطفها الزواج من الدراسة في عمر لم يكن يتجاوز 17 سنة، حيث أتى زوج عمتها للبحث عن فتاة قروية تصلح كي يتزوجها صديق له بمدينة بني ملال، القريبة من قريتها، ليقع عليها الاختيار..وبعد تعارف هاتفي قصير، لم يدم أكثر من شهرين، وافقت السعدية على الزواج، غير أن العقبة الأولى كانت في الحصول على إذن القاضي..فرفض الأول، ثم قبل الثاني الذي استخدم سلطته التقديرية كي يؤكد أنها قادرة على الزواج..فكان قرارها بترك دراستها والانتقال إلى بيت زوجها، الذي يسكن هو الآخر مع عائلته.
المشاكل بدأت مع الحمل، عائلته تريد ابنة، بينما رزقها الله ابنا، حماتها بدأت تتدخل في حياتها بشكل واضح، وبدا جليا أن أيامها صارت معدودة في بيت زوجها، ليكون قرار طردها بعد وضعها لابنها بأسبوع.
مرت الأشهر والسعدية تنتظر في منزلها أن يعود زوجها لأخذها من جديد، ولمّا أعياها الانتظار، أقامت ضده دعوى خاصة بالإنفاق، إلا أنها لم تربح أي شيء بقدر ما ربح هو تطليقها بأقل المصاريف.
الإبن "إسماعيل" وصل لربيعه التاسع الآن، لم يسبق له أبدا أن التقى بوالده، ولم يسبق لهذا الأخير أن سأل عنه، السعدية تعيل نفسها بنفسها من خلال اشتغالها في مقهى والدها، رفضت الكثير من عروض الزواج خوفا على ابنها من الضياع، سألناها هل من الممكن أن تعود لزوجها إن سألها ذلك، فأجابتنا دمعة ترقرقت على خدها بأن الجرح الذي خلّفه فيها هذا الزواج، لن يسمح لها بأن تعود لمن تخلى عنها وعن ابنها.
"أنصح الفتيات بألا يتزوجن حتى يصلن إلى سن الرشد، وحتى إن تزوجن قبل ذلك، عليهن أن لا ينجبن" تردف السعدية بكثير من الألم..بينما يردد ابنها إسماعيل بكثير من التصميم :"لا أريد أن ألتقي بأبي، لا أحبه، ولن أسلم عليه لو التقيته صدفة لأنه لم يسأل عني أبدا".