قاصرات يَنتهك الزواج براءتهُن تحت حِماية القانون
تحقيق منشور بموقع هسبريس في دجنبر 2013، إنجاز: إسماعيل عزام
قد لا يكون المغرب استثناءً عالمياً في ما يتعلق بزواج القاصرات، فحتى تعريف اتفاقية حقوق الطفل العالمية تشير إلى إمكانية بلوغ سن الرشد قبل 18 سنة..وحتى في دول متقدمة كأستراليا وبعض الولايات الأمريكية يجوز الزواج ذاته بتشريعات قريبة من القانون المغربي، إلا أن التشريع المحلي لم يساهم في التقليل من هذه الحالات كما هو حاصل في الدول الغربية المذكورة، وإنما زاد منها، حتى ارتفع الزواج المبكر بشكل فاضح خلال السنوات الأخيرة.
تحت حِماية السلطة التقديرية التي يخوّلها المُشرّع للقضاء..أو تحت ذريعة ثبوت الزوجية..آلاف القاصرات المغربيات يتزوجن مبكراً..والعديد منهن يعدْن إلى منازلهن بلقب أمهات مطلّقات..بل أحيانا..هناك منهن من تتزوج بالفاتحة لاستحالة إقناع قاضٍ ما بأهليتها للزواج..قبل أن تعود من حيث أتت بدون حتى وثيقة تثبت زواجها السابق. إنه جَانب مُظلم من حكايات متعددة تنتشر بكثير من مدننا وقرانا لقاصراتٍ انتزعهنّ الزواج من براءة الطفولة..
هسبريس زارت عدة مناطق اسْتُبدِل فيها لقب الطفلة بلقب المطلقة..من بينها قرية أيت أوقبلي بجبال الأطلس الكبير، بني ملال، أزيلال، الفقيه بنصالح..وأنجزت هذا التحقيق الذي يقدم قصصا موّثقة بالصوت والصورة عن معاناة قاصرات ذقن من مرارة كأس الزواج المبكر. تحقيق يحاول أن يشرح ببعضٍ من التفصيل..الاستغلال الشنيع لاستثناء تحوّل إلى قاعدة رغم كل المجهودات المبذولة لجعل الزواج حكرا على من تقدر عليه.
أنجبت ابناً..فطلقها زوجها
مسار طويل ذلك الذي قطعناه لنصل إلى قرية أيت أوقبلي بعُمق الأطس المغربي، أزيد من 12 ساعة من العاصمة الرباط، مرورا بمدينة بني ملال، وسوق القصيبة الذي بقينا فيه لقرابة أربع ساعات في انتظار سيارة تقلّنا إلى هذه القرية. أول ما بدأنا به هو شرب كأس شاي بمقهى متواضع، سألنا مرافقنا عن حالة ما لزواج القاصرات بهذه المنطقة التي سمعنا عنها أنها حافلةٌ بمثل هذه الحالات، ليخبرنا أن من أعدّت الشاي الذي نشربه..هي واحدة من ضحاياه..
كانت مترددة في البداية، فلم يسبق لها أن تحدثت لوسائل الإعلام، وحتى اللغة الدارجة ابتعدت عن لسانها منذ زمن، منذ أن ودعت بيت زوجها وقررت الاشتغال بمقهى والدها، حيث الأمازيغية، لغتها الأصلية، هي المنطوق اليومي للساكنة، إلا أنها قررت في النهاية الحديث إلينا بوجه مكشوف، آملة أن يعرف الناس قصتها مع زواج جعل حياتها تذبل في انتظار رشفة حنان من القدر.
خطف الزواج السعدية من الدراسة في عمر وصل بالكاد إلى 17 سنة، حيث أتى زوج عمتها للبحث عن فتاة قروية تصلح كي يتزوجها صديق له بمدينة بني ملال، ليقع عليها الاختيار..وبعد تعارف هاتفي قصير لم يدم أكثر من شهرين، وافقت السعدية على الزواج، غير أن العقبة الأولى كانت في الحصول على إذن القاضي، وهو التخوّف الذي تجسد في قاضٍ بمدينة بني ملال عندما رفض منحهما الإذن بسبب عدم أهليتها للزواج، فما كان منهما إلا تكرار المحاولة في محكمة أخرى، مكّنتهما من الإذن الذي سينتقل بها من تلميذة في سلك الثانوي، إلى زوجة بمسؤوليات كبيرة في عائلتها الجديدة.
المشاكل بدأت مع الحمل، عائلته أرادت ابنة، بينما بيّنت الفحوصات أن الله سيرزقها ابناً، حماتها بدأت تتدخل في حياتها بشكل واضح، وبدا جلياً أن أيامها صارت معدودة في بيت زوجها، خاصة بعدما اكتشفت أن هذا الأخير اختارها لتخدم عائلته بالأساس وليس لكي تتقاسم معه تفاصيل حياته، ليكون قرار طردها بعد وضعها لابنها بأسبوع. مرت الأشهر والسعدية تنتظر في منزلها أن يعود زوجها لأخذها من جديد، ولمّا أعياها الانتظار، رفعت ضده دعوى خاصة بالنفقة، إلا أنها لم تربح أي شيء بقدر ما ربح هو تطليقها بأقل المصاريف.
الإبن "إسماعيل" وصل لربيعه التاسع الآن، لم يسبق له أبدا أن التقى بوالده، ولم يسبق لهذا الأخير أن سأل عنه، السعدية تُعيل نفسها بنفسها من خلال اشتغالها في مقهى والدها، رفضت الكثير من عروض الزواج خوفاً على ابنها من الضياع، سألناها هل من الممكن أن تعود لزوجها إن سألها ذلك، فأجابتنا دمعة ترقرقت على خدها بأن الجرح الذي خلّفه فيها هذا الزواج، لن يسمح لها بأن تعود لمن تخلّى عنها وعن ابنها.
"أنصح الفتيات بألا يتزوّجن حتى يصلن إلى سن الرشد، وحتى إن تزوّجن قبل ذلك، عليهن أن لا ينجبن" تُردف السعدية بكثير من الألم..بينما يردد ابنها إسماعيل بكثير من التصميم :"ما بغيتش نشوف بّا..حِيت عمرو ما سوّل فيّا".
زواج وطلاق وأمومة..دون عقد زواج
"لم أكن أحبه بقدر ما كنت أريد الانعتاق من جو منزلي مُكهْرب سببه وفاة الوالد وسقوط الحِمل بالكامل على الوالدة" هذا هو ما دَفع وداد، من بني ملال، إلى الزواج بمن يكبرها عشر سنوات كاملة، حتى ولو لم تصل إلى 18 سنة.
تتذكر وداد كيف انتظرت الموّثق العدلي في ليلة عرسها كي يُوّقع على العقد، وكيف أن عائلة الزوج أخبرتها بأنه سيأتي في الأيام المقبلة، حتى صارحوها بعد ذلك بأن الزوج لا يملك أي وثيقة ثبوتية بعدما مزّق منذ سنوات صفحته على دفتر الحالة المدنية بسبب خصام عائلي، وبالتالي فعليها الانتظار لبعض الوقت حتى تتمكن العائلة من مباشرة جميع الإجراءات لإنجازها من جديد.
إلا أن معالم الخصام بدأت تدب بين وداد وعائلة الزوج بحكم أنها تسكن معهم، زاد منها، دخول الزوج إلى السجن لمدة ثلاثة أشهر بعد أن تسبب في ضرب شرطي. بعد خروجه منه، بدا حمل وداد واضحاً، فقررا إنجاز العقد بعد أن حلّ جميع مشاكله الثبوتية، غير أن القاضي طلب منهما الانتظار حتى تضع حملها كي يوّقع على عقد الزواج.
الخصام تضاعف بشكل واضح، ليصل درجة أن ضربتها إحدى أخواته وتسببت لها بالتواجد في المستشفى لمدة عشرة أيام، لم يبيّن خلالها الزوج أي بوادر لإصلاح الأحوال. وبعد مدة وجيزة، وبالضبط في شهورها الأخيرة من الحمل، عادت إلى منزل والدتها وبدون أي وثيقة تثبت زواجها، لتضع مولودتها التي لم يأتِ والدها أبدا لرؤيتها رغم أنه يسكن بالقرب منها.
"أريد الآن فقط إثبات الزوجية من أجل تسجيل ابنتي في الحالة المدنية..صار كل همي أن يكون لابنتي أباً..ليس ضروريا أن أعود إليه..يمكن أن يطلّقني إذا أراد..لكن فقط عليه أن يعترف بابنته وبأنه قد سبق له الزواج بي". تقول وداد التي تعاني ضيق ذات اليد رفقة ابنتها ذات عشرة أشهر، في غياب مورد رزق، اللّهم قفة والدتها المريضة بالعصب والتي تعيل عائلة بالكامل.
تزوجت في سن 14 من مختل عقلياً
عندما رفضت أختها الزواج ممّن تقدم لها، تحوّلت الوجهة نحوها، حتى ولو كان عمرها لا يتجاوز آنذاك 13 سنة و10 أشهر..لتتزوج من هذا العريس الذي لم يأخذ بالحسبان صغر سنها، أو لم تأخذه عائلته بذلك ما دامت هي من تقدمت بطلب الزواج..الزواج من بشرى التي اْنتُزِعت من طفولتها.
لم يسبق لهما أن التقيا أو حتى شاهدا بعضهما البعض، كانت تسكن بمدينة الفقيه بن صالح وانتقلت إلى منزل عائلته بقصبة تادلة، العقبة الأولى كانت في إذن القاضي الذي لم يكن ليقبل بزواج فتاة في مثل هذا العمر المبكر، لتقرر عائلة الزوج الإبقاء عليها معهم كزوجة إلى حين أن تعترف الدولة بأهْلِيتها رسمياً عندما تصل إلى سن 18 سنة..فكانت كل الوعود بأنها ستعيش معهم كابنتهم وليس كزوجة ابنهم.
كانت أمه هي الوحيدة التي ساعدتها على الاندماج، خاصة في سنتها الأولى التي وجدت فيها نفسها زوجة دون أن تعرف حتى معنى وسبب العلاقة الجنسية "فهادِيك الوقت ما كنْتش كنْعرف حتى عْلاش الناس كيتزوْجو" تقول بشرى وهي تستطرد كيف أن والدة الزوج توفيت بعد أربع سنوات..فقام والده بالزواج بأخرى لتبدأ المشاكل، والتي تتخلص في معاناة دائمة لزوجها من مرض نفساني، جعلته يزور مستشفى الأمراض العقلية مراراً دون أن تدري هي بالأمر، خاصة وأن والدته كانت تخفي مرضه بأن تضع له الدواء في الشاي أو القهوة.
وضعت بشرى ابنها، ولمّا تخطت عتبة 18 سنة، تمكنت من إنجاز عقد الزواج خاصة مع ضرورة تسجيل الإبن في الحالة المدنية. غير أن مرض زوجها وصل حداً لا يطاق، ولم تعد المهدئات تساعده بشيء، فصار يضرب والده وزوجته، بل حتى طلباته الجنسية صارت متطرفة إلى أقصى الحدود. حاولت رشيدة التعوّد على الحياة ولو بكل هذه الصعوبات..إلا أنها لم تنجح..وحاليا هي في بيت عائلتها في انتظار قبول طلبها بالطلاق.
إحصائيات مخيفة
حسب أرقام وزارة العدل والحريات، فقد ارتَفع الزواج المبكّر من حوالي 18 ألف سنة 2004 إلى 39 ألف سنة 2011، أي بنسبة 12% من مجموع حالات الزواج. عِلماً أن عدد الطلبات المرفوضة، تبلغ نسبتها حوالي 10,4% من مجموع طلبات زواج القاصرات، بمعنى أن غالبية من يتقدمون للزواج بقاصر أمام المحاكم، يتمكنون من أخذ الإذن.
ووفق ما تشير إليه، حبيبة الشطبي، مسؤولة بجمعية إنصات للنساء ضحايا العنف والأمهات العازبات، فإن زواج القاصرات ينتشر بشكل ملحوظ في منطقة تادلة أزيلال المشهورة بتصدير أبناءها إلى الخارج، حيث يفضل هؤلاء الاقتران بقاصرات، كي يبقُوهنّ في منازل عائلتهم كخادمات، بحيث لا يعاشرن أزواجهن سوى في العطلة الصيفية، الأمر الذي يؤدي إلى حالة عنف كثيرة في صفوفهن خاصة من قبل عائلة الزوج، حيث تبلغ النسبة خمس حالات تعنيف للقاصرات شهرياً من ما مجموعه 40 حالة عنف زوجي تتوّصل بها الجمعية، أي برقم يصل إلى قرابة 50 حالة سنوياً، فقط فيما يتعلق بهذه المنطقة.
الثغرات القانونية
تشير مدونة الأسرة إلى أن 18 سنة هو سن الأهلية للزواج، إلا أن السلطة التقديرية التي أعطاها المُشرّع للقاضي، تسمح له بتزويج من هم أقل من ذلك بشروط معينة، من بينها كما يؤكد المحامي بهيئة الرباط، مراد العبودي، اللجوء إلى خبرة طبية أو إلى بحث اجتماعي، إلا أن هذا الأخير لا يتم عبر متخصصين، ولكن فقط بالاستماع إلى والدي الزوجة، الأمر الذي لا يجعله شفافاً، حسب المحامي، الذي أضاف بأن الهامش الواسع من الحرية الذي يتمتع به القاضي وعدم قابلية الطعن في قرار الإذن بالزواج، يجعل مجال الخطأ كبيراً بأن يعطي القاضي الإذن لمن لا تقدر على تحمل هذا القرار، يقول العبودي.
وأشار العبودي كذلك إلى طريقة معروفة للاحتيال على القانون من أجل الزواج بالقاصر حتى ولو كان هناك رفض مبدئي من القاضي، بحيث يلجأ المعنيان إلى استيفاء جميع شروط الزواج باستثناء عقد الزواج، وبعد أن تلد الزوجة، يتقدمان أمام القاضي الذين يمنحهما إذن الزواج عبر ما يُعرف بثبوت الزوجية، لأن القاضي لن يستطيع الرفض كي لا تتشرد الزوجة. وهو كذلك ما يؤكده محمد أوهنين، مسؤول بالمركز المغربي لحقوق الإنسان، عندما أكد وجود حالات كثيرة لرجال تزوجوا بقاصرات عبر استغلال هذه الثغرة.
زواج القاصرات..قد يساوي الموت
عدّدت سناء الحناوي، دكتورة في الطب العام، في حوار خاص معها، المخاطر الكبرى لزواح القاصرات، بدءا بالممارسة الجنسية، حيث يتحوّل الجنس إلى عذاب وليس متعة بما أن الجهاز التناسلي للفتاة القاصر هو جهاز فتي وغير ناضج، إذ إن العلاقة الجنسية بحد ذاتها قد تشكل خطورة على الفتاة وقد تؤدي في أحيان عديدة إلى تمزق الفرج، ثم إن عدم التأقلم مع الحمل يجعل إمكانية الإصابة بالعقم واضحة نتيجة قلة الخبرة وعدم مراقبة الحمل، ناهيك عن احتمال إسقاط الجنين لعدم اكتمال شروط الحمل خاصة صغر حجم الرحم.
وإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أن الكثير من حالات الزواج المبكر تتم في القرى التي تعاني هي الأخرى من قلة المستشفيات، فغالباً ما يتم اللجوء إلى القابلات التقليديات، وبسبب الجهل بطرق توليد القاصر، فقد تم تسجيل حالات وفاة عديدة بحق الأم وجنينها، تشير الحناوي، مستطردة بأن ضيق الحوض، يجبر مُختصي الولادة إلى إجراء عملية قيصرية لإخراج الجنين من الرحم. وقد سبّبت هذه العملية، تدهور صحة العديد من الفتيات ونحف أوزانهن بشكل كبير، زيادة على كون إجراء عملية قيصرية ثانية في وقت قصير، قد يؤدي إلى مخاطر حقيقية بالنسبة للقاصر.
الأمل المُقاوِم
"ابنتي تصل من العمر 20 سنة، ومع ذلك لا أريد تزويجها، فلا زالت قاصراً بالنسبة لي" تقول إيزة التي تزوجت قبل 30 حولاً في سن ال14، مستطردة أن زواجها الناجح لا يجعلها متفقة مع الزواج المبكر في هذا الوقت:" الزمن تغيّر، ولم يعد مقبولاً أن يتم حرمان الفتاة من طفولتها ودراستها كي تلج مؤسسة الزواج" تضيف المتحدثة ذاتها، وهي تتذكر كيف كانت تحلم أن تكون طبيبة. حلم قد يتحقق ولو بشكل آخر، على يد ابنتها التي تتابع حاليا دراستها في الجامعة.
الأمل الذي يغزو كلام إيزة، يظهر كذلك في حديث حبيبة الشطبي:" بفضل ضغط المجتمع المدني والأحزاب السياسية الديمقراطية، سيُغلِق المُشرّع باب السلطة التقديرية ولن يكون ممكناً تزويج القاصرات، تماما كما تمّ الضغط على المُشرّع من أجل حذف المادة القانونية التي كانت تُمكّن المغتصِب من الزواج بضحيته"، وهو نفس الأمل الذي تحمله عيون بعض طفلات قرية أيت أوقبلي اللائي أجمعن في حديثهن إلينا، على أنهن لن يتزوجن أبداً حتى يتجاوزن 18 سنة.
إذن، فرغم ارتفاع الإحصائيات، ورغم وجود عقليات تقليدية تؤمن بأن الزواج المبكر يقي من ما يُعتبَر فساداً، ورغم وجود تأويل معين للدين، يرى أصحابه أن أهْلية الفتاة للزواج تتحقق قبل سن 18. فالأمل يبقى حاضرا للسعدية ووداد وبشرى، من أن لا تتكرر قصتهن مستقبلاً، وأن لا تتحوّل أخريات إلى حطب الحياة الزوجية، حيث يُستنفدن ثم يُرمى رمادهن إلى غياهب الطلاق.
